الخميس، ٢ كانون الأول ٢٠١٠

هذه هي عمان بقلم: محمد أبو رمان

شهد وسط البلد جحوداً غير مسبوق في السنوات الماضية، وكان في أوقات عديدة يبدو كأنّه مساحة مهجورة، تخلّى عنها الجميع، وقد تراجعت أهميته كثيراً بعد أن كان لعقود كاملة بمثابة قلب عمان النابض بكل معاني الحياة الثقافية والفنية والاقتصادية والاجتماعية.

اليوم تبدو ملامح مشجّعة من عودة الحياة لوسط البلد وتدفع إلى التفاؤل أنّ عمان القديمة بأصالتها وتراثها المعماري والجمالي والثقافي، وبما تحمله من ذكريات ستأخذ زمام المبادرة من عمان الغربية التي استولت على صورة عمان المنتعشة خلال المرحلة الماضية.

في شارع الأمير محمد وشارعي الملك فيصل والملك حسين والمثلث الواصل بينها، تتجدّد قيمة المكان، وقد بدأت مقاه تحمل عناوين محلية وتزاوج بين الطابع التراثي والغربي، وعلى قدر من الاحتراف، تستقطب زواراً من جديد، وتكتظ حتى بالسياح الأجانب، فيما استعادت المطاعم الشعبية المعروفة ألقها، وبدأت تنافسها مجموعة من المطاعم الجديدة الأخرى.

تتجاور مع المشهد الجديد المكتبات المشهورة وأكشاك بيع الصحف والمجلاّت والكتب وتحتل مكاناً مهماً، على الشارع الرئيس وفي الأزقة المحيطة به، بالتكاتف مع محلاّت الأقراص الممغنطة الجديدة، ما يشكل جزءا من اللوحة الجميلة لعمان، لكنها بالتأكيد لن تكتمل إلاّ حينما تستعيد الأماكن الأخرى حضورها وحيويتها من الجامع الحسيني والأسواق الشعبية المحيطة به ودور النشر القديمة في العمارة المقابلة له، مروراً بمكتبة أمانة عمان والمدرّج الروماني والساحة الهاشمية المحيطة به.

اللوحة العمّانية الجميلة تبدو أكثر وضوحاً مع البيوت المرمّمة التي تحوّلت إلى مطاعم ومقاهٍ سياحية في الدوار الأول من جبل عمان وصولاً إلى الدوار الثالث نزولاً إلى وسط البلد مرّة أخرى، فيما يقع على الطرف الآخر لوسط البلد جبل اللويبدة، الذي ظل محافظاً على قيمته وصورته الكلاسيكية.

الزميل د. مهند مبيضين، وهو ممن درسوا مدينة دمشق وثقافة الترفيه والمقاهي والثقافة فيها خلال القرون الأخيرة، يخرج بمصطلح دقيق لكنه لافت وهو "صناعة الأزقة"، والأزقة – بلا شك- كانت موجودة منذ المراحل الأولى لعمان الحديثة، لكن في سياق التطوير والتحديث فإنّ الاهتمام بهذا الجانب من الناحية الجمالية والثقافية يبدو مهماً ورئيساً.

النشاز في الصورة الجديدة ما يزال موجوداً، وفي مقدمة ذلك الفنادق الصغيرة التي تبدو كأنّها رثّة لا يكترث أصحابها بمظهرها ومضمونها، ما يدعو الأمانة إلى ضرورة وضع شروط على أصحابها لإعادة تأهيلها جمالياً وسياحياً، بما يعكس قدراً من هوية المدينة وجمالياتها وليس العكس.

لا أعلم كيف تسير الأمور في مشروع تطوير وسط البلد ومراحله المتتالية، مع الأزمة المالية الحالية، إلاّ أنّه من الضروري مراعاة المزاوجة بين الأبعاد المعمارية والهندسية وروح المدينة وأصالتها وألا تفقد ذلك فتخسر قيمتها الحقيقية.

هذه هي عمان وسط البلد وما يحيط به من جبال عمان القديمة، وهي التي تمسك بهوية المكان وذاكرته وذكرياته، وقد آن الأوان أن تعود عمان الغربية إلى حجمها الطبيعي، فقد كادت أن تختزل صورة عمان أمام الزوار، بل حتى بعض أبنائها ببعض المقاهي الغربية والثقافة الاستهلاكية التي لا تحمل أي ملمح من ملامح الهوية الذاتية.

عمان القديمة تبدو اليوم كأمّ تفتح ذراعيها لتستعيد أبنائها الذين ابتعدوا سنوات عن أحضانها.

محمد أبو رمان

هناك تعليق واحد: